عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

455

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

قال : قلت أقول : هو الآن ، يعنى أنه كما كان ولامكان ، فهو الآن على ما عليه كان ، قال فارتضى ذلك منى ونزع قميصه وأعطانيه * وروينا عن الشيخ الكبير العارف باللّه تعالى أبى عثمان المذكور رضى اللّه تعالى عنه أنه قال : كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة ، فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي ، فكتبت إلى أصحابنا بمكة إني أسلمت جديدا * وروينا عن الأستاذ الإمام أبي إسحاق الأسفرايني رضى اللّه تعالى عنه أنه قال : لما قدمت بغداد كنت أدرس في جامع نيسابور مسئلة الروح وأشرح القول في أنها مخلوقة ، وكان الشيخ أبو القاسم النصراباذى قاعدا متباعدا عنا يصغى إلى كلامنا ، فاجتاز بنا من بعد ذلك بأيام قلائل ، فقال لمحمد الفرّاق : أشهد أنى أسلمت على يد هذا الرجل ، وأشار إلىّ * قلت : وهذا القول من الشيخ أبى القاسم المذكور تواضع وإنصاف ورجوع إلى الحقّ واعتراف مع جلالة قدره ، فإنه كان شيخ وقته ، وكذلك قول الشيخ أبى عثمان السابق وكل هذا يدلّ على أنهم مطهرون من الحظوظ النفسية ، متصفون بالصفات الزكية أهل الحضرة القدسية * وقال الشيخ الجليل العارف أبو بكر الواسطي رضى اللّه تعالى عنه : ما أحدث سبحانه شيئا أكرم من الروح ، فهذا صريح منه بأن الروح مخلوقة . وقال الشيخ العارف الكبير الرباني أبو القاسم النصراباذى رضى اللّه تعالى عنه : الجنة باقية ببقائه ؛ وهذا القول في غاية التحقيق ، فإن مذهب أهل الحقّ أن صفات ذات القديم باقية ببقائه ، وأفعاله باقيات بإبقائه ، فهو تعالى عالم بعلم ، قادر بقدرة ، مريد بإرادة ، متكلم بكلام ، سميع بسمع ، بصير ببصر ، حىّ بحياة ، باق ببقاء ، فهذه الصفات وسائر صفاته باقية ببقاء ذاته أزلا وأبدا ؛ وأما أفعاله كالجنة والنار وغيرهما فباقيات بإبقائه لها . وخالفت المعتزلة في الصفات فقالوا : عالم بغير علم ، قادر بغير قدرة ، باق بغير بقاء ، وكذا سائر الصفات . وخالفت الفلاسفة في الأفعال الواقعة تحت القدرة فزعموا أنها قديمة ، ولزم على قولهم الحكم بقدم العالم ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا .